لماذا يضيع كثير من الشباب؟ إرهاق القرار والمقارنة وطريق النجاة
لماذا يضيع كثير من الشباب؟
الساعة تجاوزت منتصف الليل بكتير . هو لسه ماسك الموبايل، بيمرر بإصبعه من فيديو لفيديو، من ريلز لريلز . شاف واحد بيتكلم عن مشروع نجح فيه، وواحد بيتكلم عن رحلة سفر، وواحد بيعرض جسمه بعد سنة تمرين، وواحد بيشرح إزاي تبقى مليونير قبل الثلاثين .
حفظ كل حاجة عجبته في "المحفوظات"، وقال في نفسه: "هبدأ الأسبوع الجاي."
وبعد ساعتين تصفح، قفل الموبايل، اتكئ على السرير، وحدّق في السقف . وقالها لنفسه، بصوت خافت، وكأنه بيعترف بحاجة مخجلة: "أنا مش عارف حياتي رايحة فين." وللأسف... هو ليس الوحيد .
أكتر عصر فيه اختيارات... وأكتر جيل حاسس إنه تايه
مفيش جيل في تاريخ البشرية اتاحلت له فرص زي جيلنا . تقدر تتعلم أي حاجة مجانًا، تشتغل من أي مكان، تبدأ مشروع من موبايلك، تتواصل مع أي حد في العالم بضغطة زر .
ومع كل الاختيارات دي... جيل كامل من الشباب بيحس إنه واقف في منتصف الطريق، مش عارف يمشي يمين ولا شمال . عنده كل الأدوات، وناقصه حاجة واحدة بس: اتجاه . المشكلة مش في قلة الفرص، المشكلة في كتر التشتيت، وضياع الهدف، ومقارنة نفسه بالكل، كل ثانية .
لماذا يشعر الشباب بالضياع؟
الشعور بالضياع مش معناه إنك فاشل أو ضعيف . هو ببساطة نتيجة طبيعية لما تكون عندك مليون طريق مفتوح، وملكش بوصلة تحدد لك مين فيهم صح . فكر في شاب تخرج من الكلية، وقدامه: يشتغل موظف، يفتح مشروع، يسافر، يتعلم مهارة أونلاين، يكمل دراسات عليا . كل خيار من دول له ناس نجحت فيه ونشرت نجاحها، النتيجة إن الشاب بيحس إنه لازم يجرب كله، فما بيكمل ولا واحد فيهم .
من الناحية النفسية، الدماغ البشري غير مصمم للتعامل مع آلاف الخيارات في وقت واحد . كلما زادت الخيارات، قلّت قدرتنا على الالتزام بواحد منها، فيغرق الشاب في بحر من الخيارات بلا دليل .
كيف تؤثر المقارنات وكيف يسرق التشتيت العمر؟
من أول ما تصحى، وإنت بتقارن نفسك بحد؛ واحد عمل فلوس، واحد اتجوز، وواحد بقى مشهور . الغريب إنك بتقارن يومك الحقيقي بـاللحظة المصورة بتاعت التاني، اللي هو كمان مختار إنه يوريك أحسن ما عنده بس .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ . التغيير الحقيقي بيبدأ من جوّاك إنت، من قرارك إنك تشتغل على نفسك، بغض النظر عن مكان أي حد تاني .
التشتيت مش بس مضيعة وقت، هو سرقة صامتة لأثمن حاجة عندك: الانتباه . كل إشعار وكل فيديو قصير بياخد جزء من طاقتك الذهنية ويخليك في حالة تشتت دايمة . النبي ﷺ قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس... وشبابك قبل هرمك." الشباب فترة زمنية محدودة، وأثمن استثمار فيها هو الانتباه والوقت .
أخطر حاجة ممكن تحصل لشاب مش إنه يفشل، إنه يعيش بلا هدف واضح . من غير هدف، أي طريق بيبقى كويس وأي تشتيت بيبقى مقبول، لأنك أصلًا مش رايح لحته معينة .
هل أنت تائه فعلًا... أم أنك فقط تتحرك في اتجاه لم تختره بنفسك؟ الطريق للخروج من الضياع مش معجزة، هو إنك تختار اتجاه واحد، وتمشي فيه بثبات، حتى لو مش متأكد 100% إنه الصح .
النجاح مش في اختيار الطريق المثالي، النجاح في إنك تمشي، تتعلم من غلطاتك، وتصحح مسارك وإنت ماشي. الوقوف في مكانك خوفًا من الغلط هو الضياع بعينه .
كيف تستعيد اتجاهك؟ (خطوات عملية)
- اكتب أهدافك على ورقة، لا في رأسك فقط .
- ابنِ روتين صباحي ثابت وحافظ على الصلاة في وقتها .
- قلل وقت السوشيال ميديا يوميًا وتعلم قول "لا" لما يشتتك .
- أنهِ كل ما تبدأه قبل أن تبدأ شيئًا جديدًا، وحدد هدفًا واحدًا واضحًا لهذا العام .
- تعامل مع الفشل كمعلومة لا كحكم نهائي، وتعلم من أخطائك بسرعة دون جلد للذات .
- اربط أهدافك بقيمك، لا بمقارنات الآخرين، وتذكر أن التقدم البطيء أفضل من الوقوف التام .
الخاتمة: يوم ما يقف الجري
في يوم من الأيام، هيوصل لحظة يوقف فيها الشاب ده عن الجري ورا كل حاجة في نفس الوقت . هيقفل التطبيقات اللي بتاخد وقته من غير ما تديه حاجة . هياخد ورقة وقلم، ويكتب اتجاه واحد بس . مش الأسهل، ومش المضمون، بس اتجاه اختاره بنفسه . ويمشي... في طريق واحد... اختاره بنفسه .
إنت مش متأخر، وإنت مش فاشل، وإنت مش الوحيد اللي حاسس إنه تايه . لكن اللحظة اللي هتفرق في حياتك مش لحظة ما تلاقي كل الإجابات، هي اللحظة اللي تختار فيها اتجاه واحد، وتبدأ تمشي فيه، حتى لو خايف . الطريق بيتوضح وإنت ماشي، مش وإنت واقف تفكر .
دعاء نبوي جامع، يطلب فيه العبد من الله الهداية إلى الطريق الصحيح، والتسديد أي الثبات والتوفيق فيه بعد اختياره . الخروج من الضياع لا يبدأ بمعرفة كل التفاصيل، بل بطلب الهداية من الله أولًا، ثم الثبات على الطريق .
اكتب... ما الشيء الوحيد... الذي لو ركزت عليه سنة كاملة... قد يغيّر حياتك؟ ثم ابدأ اليوم .
الانضمام إلى المحادثة